علم نفس تطوري

لماذا نستمتع بالموسيقى؟

هذه محاولة متواضعة لشرح لماذا يستمتع الإنسان بسماع الموسيقى. أولاً أود أن أنوه أنني لست ملم بالموسيقى و لا أمتلك خلفية موسيقية أستطيع من خلالها شرح الفكرة بطريقة تقنية موسيقية. لكن المقال سيتطرق لموضوع الموسيقى من ناحية دماغية و فيزيائية و قد يبدو للبعض خال من الشعور الفني لكن في الواقع، الشعور الفني و جمال الموسيقى هي بالضبط ما أود شرحه و تفسيره كنتيجة للعمل الدماغي أثناء سماع هذه الموجات الصوتية.

بداية أود أن أحدد بعض المفاهيم و أن أضع أرضية مناسبة للبناء الفرضية.

قليلاً عن الدماغ:

البعض قد يسأل لماذا الدماغ يكافئ نفسه بنفسه على أعمال يقوم بها. لماذا لا يقوم بها فقط بشكل مباشر دون أن يكافئ نفسه و يصرف طاقة في مكافئة نفسه؟  في الواقع هذا السؤال ناتج عن سوء فهم لماهية الدماغ و اعتباره عضو واحد مسؤول عن كل شيء.

الدماغ ليس عضو واحد مستقل و إنما مجموعة كبيرة من الأعضاء العصبية التي تعمل بتناغم مع بعضها البعض بهدف استقبال الإشارات الفيزيائية القادمة من الخارج و تحليلها ثم بناء أفضل قالب دماغي يساعد الجسم في التفاعل مع محيطه الخارجي.

الدماغ البشري نتاج عملية تطور استغرقت ملايين السنين (٥٠٠ ميلون سنة تقريباً). مع تطور الأحياء تطورت حاجتهم لقدرات تحليلية أكبر للتفاعل مع المحيط في سبيل البقاء. هذه الأقسام الدماغية التي تطورت عليها أن تتواصل فيما بينها و تعمل كفريق واحد هدفه بقاء النظام (الجسد) على قيد الحياة. هذا التواصل هو سبب المتعة و الألم و الحزن و الخوف و غيرها من المشاعر التي نستشعرها على مستوى الوعي. الدماغ يفرز الدوبامين (هرمون المتعة) حين يقوم النظام الحيوي بالقيام بعمل تم تقديره أن ذات فائدة بقائية.

الدماغ (مجموعة الأعضاء العصبية) يتواصل مع أعضاء الجسم عبر طريقتين. واحدة سريعة جداً (السيالة العصبية) و لها تأثير سريع جداً لكن لا يستمر أثره طويلاً و الطريقة الثانية هي من خلال إفراز الهرمونات عبر الدورة الدموية و التي يكون تأثيرها ذو فعالية أطول لكن تأخذ بعض الوقت لكي تتفعل في الجسم.

في السابق كان على أسلافنا العمل طوال اليوم في سبيل أن يحصلوا على مواردهم الغذائية اليومية، لكن في حال وجد أحدهم مصدراً غذائياً ذات سعرات حرارية عالية (العسل مثلاً) فهذا يعني أنه لن يحتاج أن يعمل طوال الوقت لتأمين حاجته في ذاك اليوم. تأمين الحاجة الغذائية دون الحاجة للعمل طوال اليوم هو أمر محبذ جداً و يعزز فرص صاحبه على البقاء. لهذا نجد أن الأطعمة ذات السعرات الحرارية العالية لها طعم لذيذ و الأطعمة المضرة (سمية) لها طعم غير جيد.

في حالة المأكولات اللذيذة يقوم الدماغ بربطها مع شعور إيجابي مفاده (هذا العمل جيد كرره). عملية الربط هذه تحدث عن طريق إفراز توقيع هرموني مرتبط مع الفعل. كلما وجد أجدادنا العسل مثلاً يتذكرون أنه لذيذ و طعمه طيب ليس لأن مركب السكر له طعم سحري و إنما لأن مركب السكر يقدم الطاقة للجسم بشكل فعال و لأن الدماغ ربط هذا الفعل الإجابي مع إفراز هرموني إيجابي.

كما أن الجسم يكافئنا على الأعمال الجيدة يقوم بمعاقبتنا على الأعمال المضرة (حسب تقديره).
مثلاً، إذا قمنا بعمل غير مفيد لبقائنا مثل التهام أطعمة سمية أو فاسدة يقوم الدماغ بمعاقبتنا و ربط هذا الفعل مع توقيع هرموني و إجرائي سلبي لكي لا نكرره مرة أخرى.

عندما تأكل مأكولات سامة يقوم الدماغ عن طريق حاسة الذوق و الشم باستشعار المواد السامة و إطلاق سيالة عصبية مفادها أنك تلتهم مادة غير مقبولة للجسم. أيضاً يقوم الجهاز العصبي بأخذ مقود القيادة و يتخذ إجراءات احترازية في إجبار الجهاز الهضمي على إخراج ما تم التهامه عن طريق فعل لا إرادي نسمية “التقيؤ”. توجد إجراءات أخرى يقوم بها الدماغ مثل إفراز الأدرنالين و ذلك نتيجة اعتقاده أنك تتعرض للخطر لكن لن أدخل بكل هذه التفاصيل في هذا المقال.

الرياضيات و الموسيقى و الدماغ:

جميع الكائنات الحية تقوم بعمليات حسابية و تحليل كميات كبيرة من المعلومات الفيزيائية الواردة من الخارج و التفاعل على أساس هذا التحليل. كل ما كان الكائن قادر على القيام بعمليات حسابية أكبر و أكثر كلما زادت فرصه البقائية أكثر و لهذا أخذ تطور الدماغ منحى مبني على مكافئة نفسه عند القيام بعمليات حسابية ناجحة تتطابق مع الواقع الخارجي. يجدر الذكر أن الإنسان يتميز بتفوقه في التحليل الدماغي بين الأحياء إذ أنه قادر على رسم قوالب مستقبلية مبنية على تجارب سابقة يكون هو نفسه جزء منها. نسمي هذا النوع من القدرة التحليلية “ادراك ذاتي” و هو موجود لدى عدد قليل جداً من الكائنات الحية و لا يوجد أي كائن يصل لنفس مستويات الإنسان التحليلية هذه.

الموجات الصوتية التي تصل إلى الأذن عبارة عن معلومات فيزيائي يتم تحليل ترددها و تواترها و ثم القيام بربطها مع تجارب و معارف سابقة. فمثلاً هذا صوت حفيف أوراق الشجر الذي أسمعه يعني أنه يوجد رياح و يوجد أوراق شجر. نعم لقد تم تأكيد هذه المعلومة عن طريق تقاطع المعلومات الواردة من حاسة البصر و حاسة الشم إذ أن الدماغ يرصد مركبات كميائية تتطابق مع رائحة أوراق الشجر و تفاعل الريح الخفيف مع الخلايا العصبية الموجودة على الجسم تؤكد وجود الرياح. نعم الصورة الذهنية متطابقة بناء على جميع القوالب التي تم تحليلها. تطورياً يوجد أهمية كبيرة لقدرتي على القيام بهذا التحليل بشكل سريع و تلقائي و بالتالي يوجد ألية مكافئة داخلية بين أقسام الدماغ على القيام برسم قالب ذهني مطابق للعالم الخارجي.

من ضمن استراتجيات العمل الدماغي هي تحليل المعلومات و البحث عن علاقات منطقية تربط هذه المعلومات مع بعضها البعض فمثلاً نحن تطورنا أن تبحث عن علاقات منطقية ضمن الاشارات البصرية التي قد تشير إلى وجود وجوه. السبب التطوري لهذه الخاصية يعود لأهمية رصد اي وجه بشكل سريع لأن الوجه يعني وجود كائن آخر. لهذا السبب من السهل علينا أن نتخيل وجود وجوه ضمن أي مجموعة عشوائية من المحفزات البصرية (pareidolia).

الدماغ بشكل عام يبحث عن علاقات ربط منطقي بين جميع المعلومات الواردة بالنسبة له و ذلك بهدف وضع تصور لما يجري في العالم الخارجي.

الصوت عبارة عن اهتزازات في الهواء المحيط بنا. الأذن تقوم بتحليل هذه الاهتزازات و تجسد هذه المعلومات كصورة ذهنية نستشعرها كصوت. الموسيقى عبارة عن مجموعة من الأصوات التي تتجسد دماغياً على شكل مجموعات كبيرة من الموجات الصوتية لكن تتميز بتواترها بشكل منتظم يشكل ايقاع نستطيع من خلاله توقع تبدل هذه الموجات الصوتية مستقبلياً. الموجات الصوتية الموسيقية تتميز عن غيرها من الأمواج الصوتية أنها تقع ضمن ترددات محددة مسبقاً و يتم تبديل الأمواج الصوتية ضمن هذه الترددات تحديداً. نسمي هذه الترددات المحددة القيمة بالعلامات الموسيقية. العزف الموسيقي عبارة عن آلية اصدار موجات صوتية ضمن علاقة رياضية محددة تعتمد على التكرار و الاقاع و التناغم في قيمة الترددات. الموسيقى عبارة عن جمل من الرياضيات التي تصل إلى دماغنا عن طريق الأمواج الصوتية.

متعة الموسيقى على المستوى الدماغي تكمن في محاولة الدماغ على استقراء اللحن بشكل مستقبلي و مكافئة نفسه عند تطابق التوقع. لهذا السبب نحن نحتاج أن نسمع المعزوفة عدة مرات قبل أن نبدأ بالاستمتاع بها و ذلك لنستطيع بناء العلاقة الرياضية بين الجمل الموسيقية. عندما تستمع إلى أي معزوفة موسيقية أنت تمارس عمليات حسابية معقدة و تكافئ نفسك عند توقع كل ثانية موسيقية قبل حدوثها. أفضل اللحظات الموسيقية هي عندما يتم البناء الموسيقي على توقع جملة موسيقية قادمة مع بعض التشويق إلى أن يتم فعلاً الوصول لتلك المحطة التي تم البناء عليها.

في النهاية أتمنى أن يكون هذا المقال محفز ايجابي للاستمتاع بالمزيد من الرياضيات الصوتية و اطفاء قيمة اضافية لهذا الفن الراقي الذي تطور مع الحضارة البشرية منذ ملايين السنين.


Music and the Brain, Dr. Aniruddh D. Patel, the Teaching Company, the Great Courses
http://www.thegreatcourses.com/courses/music-and-the-brain.html

John Lehrer, Science, 01.19.11.http://www.wired.com/2011/01/the-neuroscience-of-music/

 

مصطفى عابدين

مؤسس ومدير محتوى موقع علومي. باحث مهتم بالعلوم، أسعى من خلال هذا الموقع إلى المساهمة في إثراء المحتوى العلميّ العربيّ على الإنترنت بمقالات أصليّة مبسّطة، تزوّد القارئ غير المختصّ بالأساس العلميّ الذي يحتاجه لمتابعة آخر المستجدّات والأخبار العلميّة، بعيداً عن الترجمة التي في بعض الأحيان تُفقِد المحتوى العلميّ مضمونه.

6 تعليقات

انقر هنا لتضع تعليق

تعليق

  • أحب أن أضيف نقطة هامة للغاية.
    صاحب المقال مثل أغلب التطوريين يُحب أن يصور التطور على أنه ماكينة عبقرية تعي ماتفعل وتضع خطط وإسترتجيات للمستقبل.
    طيب لماذا لم يقتل التطور مفهوم “الملل” ؟ الملل هو عدو قوي للكائن الحي ويهدد وجوده لأنه يضطره للخروج عن المألوف والبحث عن شيء جديد حتى لو كانت الحاجات الأساسية لديه.
    إستدلالاتكم كلها عبارة عن إما مصادرة على المطلوب أو دور..شيء مؤسف للغاية

    • سؤال مثير للإهتمام لا شك.

      كنت أودّ أن أصيغ إجابة تليق به ومبنيّة على اضطلاع بالموضوع وقراءة مسبقة، ولكن وجدتُ مقطع فيديو يوفّر إجابة علميّة تفوق أيّ من الإجابات التي ممكن محولاتي أن تقدّمها دقّة وشموليّة.

      https://www.youtube.com/watch?v=Qwd25JV-jnU

      مشاهدة ممتعة:)

  • لماذا إذاً تتفاوت الأغاني من ناحية الجودة والمتعة؟ إذا كان الأمر عبارة عن مجرد حسابات وتوقعات مستقبلية فقط فيجب أن تكون جميع الأغاني بنفس درجة المتعة.
    التمتع بالموسيقى العذبة هي ملكة عظيمة لا يمكن أن نتجرأ أن نختزلها ونبسطها بهذا الأسلوب الهزيل.

  • لا يختلف التفسير. هذا يعني أن الجملة الموسيقية قابلة للتوقع و بالتالي الاستمتاع