فلسفة علمية

تحليل ما بعد الحدث

استيقظ يزن وذهب إلى عمله. بعد ساعة تقريباً من وصوله إلى المكتب جاء محمود صديقه وعرض عليه أن يذهب معه إلى مباراة كرة القدم التي ستجري في مساء اليوم. إنها مباراة تاريخية كم هو محظوظ بهذه الفرصة.

فعلاً توجه يزن وصديقه محمود في المساء إلى الملعب وجلسا في مقعديهما وبدأ يأكل الفوشار بانتظار بدء المباراة….

قبل بدأ المباراة جاء أحد الحضور إلى يزن ومحمود وطلب منهما تبديل مقعديهما معه (مقعده بمكان أفضل مقارنة مع مقعديهما) وذلك لكي يتسنى له الجلوس مع عائلته التي لم تستطيع شراء تذاكر كافية لكي يجلس جميع أفرادها بالقرب من بعضهم البعض.

وافق يزن ومحمود وجلسا في مقاعدهم الجديدة الافضل رؤية. بدأت المباراة وشد الحماس جميع الحضور وفجاءة وضمن مجريات المباراة قام أحد اللاعبين بركل الكرة عالية فما كان لها إلا أن تستقر بحضن يزن. يا لها من صدفة! تجري العادة أن يحتفظ الجمهور بالكرة وخصوصاً ضمن مباريات مهمة مثل التي يحضرها يزن ومحمود. مباشرة أصبح لدى يزن كرة لها قيمة معنوية عالية جداً إذ أنها الكرة التي تم استخدامها في هذه المباراة التاريخية.

فكر يزن كم هو محظوظ… صديقه دعاه لحضور هذه المباراة وهو قرر المجيء في آخر لحظة. ثم شأت الأقدار أن يكون أحد الحضور قد احتاج استبدال مقعده مع يزن لكي يجلس بالقرب من عائلته. هذا الكرسي الجديد الذي شأت الأقدار أيضاً أن يكون المكان الذي ستحط عليه الكرة من بين ٤٠ ألف كرسي آخر.

ياله من شخص محظوظ…. ما هو السر وراء ما حصل؟

في الواقع جميعنا يفكر بهذه الطريقة لكن هذه الطريقة في التفكير خاطئة ونسميها تحليل ما بعد الحدث. لم أجد الترجمة العربية المعتدة فترجمتها بنفسي.

(Post hoc analysis or Posteriori)

https://en.wikipedia.org/wiki/Post_hoc_analysis

في الواقع:

ضمن كل مباراة كرة قدم سيركل أحد اللاعبين الكرة إلى المدرجات حيث يجلس الجمهور. الكرة ستحط في أحضان أحد الحاضرين ولكل من الحاضرين قصة ما تسببت في قدومه إلى المباراة. الأحداث التي حدثت قبل وصول الكرة إلى يزن لا علاقة لها وليست مرتبطة بحدث وقوع الكرة بين يديه. تحليل الأمور بعد الحدث واعتبار أن الحدث أمر غير اعتيادي هو استنتاج خاطئ.

من هنا أود أن أذكر مثال نشأت الحياة على الكرة الأرضية.

١- نشأت الكون

٢- وجود الكرة الأرضية ضمن النطاق الصالح للسكن

٣- عمر الشمس المناسب لتشكل الماء بأشكاله الثلاثية والمهمة للحياة

٤- وجود نواة حديدية داخل كوكب الأرض تنتج حقل مغناطيسي يحمي الأرض من الأشعة الشمسية

٥- نشوء قلنسوة قادرة على استقلاب الطاقة ونسخ نفسها بنفسها وثم التطور إلى أشكال حياة أكثر ذكاء

٦- وجود كواكب غازية عملاقة ضمن المجموعة الشمسية حيث تستقطب الأجسام الفضائية بعيداً عن كوكب الأرض.

كم نحن محظوظون….. نحن موجودون على كوكب تنطبق عليه جميع المواصفات الفيزيائية الازمة لتشكل الحياة. ليس هذا وحسب وإنما ارتطام النيزك الذي سبب انقراض الديناصورات و٩٠٪ من الحياة قبل ٦٥ مليون سنة هو من الأسباب الأساسية في تطور الثدييات التي منها تطور الإنسان. كم نحن محظوظون.

هذا أيضاً تحليل ما بعد الحدث تماماً مثل صاحبنا يزن الذي ظن أن كل ما حدث قبل وصول الكرة إليه حدث فقط لكي يحصل هو على الكرة.

وجود الحياة على الكرة الأرضية هو حدث نادر لا شك لكن الأحداث التي سبقته لم تحدث بهدف هذه النتيجة. نحن نربط هذه الأحداث ضمن سياق ما بعد الحدث ويبدو لنا الأمر وكأنها كلها أحداث حصلت خصيصاً لكي تنشأ الحياة…

هذا لا يعني أن الحياة حدث عادي أو أنني أقول إنه يوجد حياة بوفرة في مكان آخر في الكون. نحن ببساطة لا نعرف شيء عن هذا الموضوع لكن ما أود قوله أن ربط جميع الأحداث السابقة لحدث نشوء الحياة على أنها مصممة للوصول إلى هذه النتيجة هو خطأ نقع فيه جميعاً.

فكّر بجميع الأحداث التي حصلت لكي يجتمع والديك وتنجبك والدتك وسترى كيف طريقة تفكير ما بعد الحدث post hoc في التفكير سائدة جداً في منطقنا البشري. هذه الطريقة في التفكير تؤدي للوصول إلى استنتاج وجود قوة مصممة واعية في الكون، لكن إذا ما قمنا بدراسة الكون بشكل أعمق سنجد أن كل ما نرصده في الكون المنظور حتى الآن (ماعدا كوكب الأرض) غير صالح لاستضافة الحياة.

كم أنت محظوظ….

مصطفى عابدين

مؤسس ومدير محتوى موقع علومي. باحث مهتم بالعلوم، أسعى من خلال هذا الموقع إلى المساهمة في إثراء المحتوى العلميّ العربيّ على الإنترنت بمقالات أصليّة مبسّطة، تزوّد القارئ غير المختصّ بالأساس العلميّ الذي يحتاجه لمتابعة آخر المستجدّات والأخبار العلميّة، بعيداً عن الترجمة التي في بعض الأحيان تُفقِد المحتوى العلميّ مضمونه.

4 تعليقات

انقر هنا لتضع تعليق

تعليق

  • مجرد صدف؟؟ صدفة واحد ساتقبل الامر لاعلينا سامنحك فرصة لتقبل الصدفة الثانية لكن ثالثة ورابعة ومع نفس الكوكب كوكب الارض ؟؟ الامر يدعو الى التامل بل يفيد قطعا انّ كل شئ بقدر

  • أستاذ مصطفى .. يحدث مع كل منا أن يصادفه في يوم واحد مجموعة أحداث إيجابية متتالية.. وفي يوم آخر مجموعة أحداث سلبية متتالية … هل يمكن أن ننسب هذا كله إلى مايسمى بالصدفة .. أم أن هنالك رابط معين .. قد تكون طاقة ما يبثها الإنسان في ذلك اليوم .. يمكن تفسيرها بشكل علمي .. سببت وقوع هذا التسلسل من الأحداث معه .. أود معرفة رأيك .. وشكراً فادية من سورية

  • ما هو الدليل العلمى على ارتطام النيزك الذي سبب انقراض الديناصورات و ٩٠٪ من الحياة قبل ٦٥ مليون سنة ؟