فلسفة علمية

عن العدمية و الجنة

يقال لي: هل تقول لي أن الإنسان وجّد على هذه الأرض من محض الصدفة وأنه لا يوجد غاية لوجودنا في هذا الكون. هذا غير منطقي ومستحيل أن أقبل به. هذا النوع من التفكير يهدف لنشر الفلسفة العدمية وابقاء الإنسان ضمن خانة الحيوانات التي لا هدف لها سوى الأكل والتكاثر. هذا ما قدمه لنا العلم والإلحاد.

حسناً لنحلل هذه المواقف وندرس ماهي العدمية وإن كان العلم فعلاً يدعو إلى تبني فلسفة عدمية.

عندما أكتب عن تاريخ تشكل الكرة الأرضية أو عن لامركزية المجموعة الشمسية أو موقع الإنسان ضمن شجرة الحياة أجد أن الردود تكون عادةً في سياق أنني أقلل من قيمة الحياة ومن قيمة الوجود الإنساني. لهذا السبب قررت أن أكتب بعض الافكار ضمن سطور وكأنني أفكر بصوت عال. الغالبية العظمى من الناس تعيش في حلم. هذا الحلم يقول “أن وجود الإنسان على هذا الكوكب هو نتيجة عملية خلق حدثت في السابق من إلاله غير مادي له أسم ومواصفات بعض هذا المواصفات أنه خال من المواصفات. الإنسان هو مركز هذا الخلق وهو اللاعب المركزي فيه حيث أن كل الموجودات المحيطة بالإنسان من كائنات حية وكواكب هي جزء أساسي من عملية الخلق التي تمت لهدف تيسير امتحان دنيوي للإنسان. حياة الإنسان الدنيوية هذه عبارة عن امتحان يتم من خلالها تحديد المستقبل لما بعد الموت. إما يكافئ الإنسان على ما فعل أثناء هذا الامتحان أو يعاقب. طبعاً تختلف تفاصيل الامتحان وشروط النجاح وأنواع المحفزات والعذاب لكن الفكرة الأساسية هي أن الإنسان وجُد على هذه الأرض بشكل مؤقت وسينتقل إلى الحياة الأبدية بعد مماته. شروط النجاح والفشل في هذا الامتحان هي عبارة عن قوانين مصدرها نفس خالق الكون.”

لكن في الواقع هي ليست إلا عادات وتقاليد اجتماعية تختلف بين القبائل والشعوب فنجد من يعتبر قتل البقرة من الافعال الشنيعة والمرسّبه في الامتحان أو من يعتبر أن احتساء مركب كيميائي يتألف ٦ ذرات هيدروجين مرتبطة مع ٣ ذرات من الكربون مرتبطة مع ذرة أوكسيجين (الكحول) هو فعل مرفوض ومرسب في الامتحان. للتعمق أكثر في موضوع تطور العلاقات الاجتماعية البشرية وكيفية ظهور الأخلاق يوجد لدي مقال سابق يتعمق بهذا المحور.

أعلم أن بعض القراء قد يعتبر أن توصيفي للفكر الديني الذي ذكرته في الأعلى غير موضوعي وغير محايد لأنني شخص لاديني ولا أؤمن بهذه المعتقدات. لهذا سأقوم باختصار المفهوم الديني العام حول الحياة على أساس أنه نظام فكري فلسفي يقدم تفسيرات مادية حول نشأت الكون ويقدم ادعاءات غير مادية غير قابلة للإثبات لكنها مؤثرة بالموجودات ضمن هذا الكون مثل وجود الملائكة ومعجزات الرسل وغيرها من الادعاءات التي تعتمد على الإيمان.

ضمن هذا النظام الفكري يوجد شق أخلاقي يهدف إلى تصنيف التصرفات البشرية ضمن أعمال حلال (مقبولة) ومجموعة أخرى من الأفعال المحرّمة. هذا النظام الأخلاقي مبني على أساس بسيط يعتمد على تثقيل الأفعال وتقيمها. نتيجة التقييم النهائية تحدد مصير الإنسان فإن كان قد احترم هذه القوانين فله أجر وإن لم يحترم هذه القوانين وخالفها فله عقوبة.

هذا التوصيف هو أفضل محاولة مني في طرح وجهة النظر التي سأقوم بنقدها. أعلم أن البعض قد يتهمني بارتكاب مغالطة رجل القش لأن النظرة الدينية تختلف بين البشر إلا أنني قدمت رؤية عامة قريبة لأغلب النظم الدينية المنتشرة حولنا اليوم.

الواقع أهم من الحلم:

قد يشعر البعض بطمأنينة بأنهم يمتلكون الأجوبة على أغلب الأسئلة الوجودية مثل:

  • من أين جاءت الأرض؟ الله خلقها.
  • لماذا نحن هنا؟ لأن الله خلقنا لكي نعبده.
  • لماذا خلقنها لكي نعبده؟

هو لا يحتاج عبادتنا لكنه يمتحننا في هذه الدنيا لكي يحدد من سيعيش معه إلى الأبد بعد يوم الحساب.

طبعاً هذه الأجوبة السريعة لها تفاسير وتفاصيل لن أدخل بها لكن لابد من أن نتفق عند هذه النقطة أن معرفة الحقيقة لا بد أن يكون لها قيمة ما عند الجميع. لابد أن نتفق أننا نعمل بشكل صادق على الإجابة على هذه الأسئلة. طبعاً البعض منا يعتبر هذه الأجوبة هي الأجوبة الصحيحة وهذا لا يغير من فكرة أن هذا الشخص يحترم معرفة الحقيقة بما يكفي لكي يسعى لفهمها وتنفيذ القوانين التي سُنت على أساسها بعض النظر إن قبلنا معه بصحة الادعاءات التي يتبناها.

نحن فقط نقول إن هذا الإنسان يقيم معرفة الحقيقة بما يكفي لكي يبحث عنها ويعتنق نظام فلسفي ما (الدين). المنهج العلمي يقدم لنا الكثير من الحقائق التي تناقض النظام الفكري الديني وهنا أنا لا أتحدث عن الشق الأخلاقي بعد وإنما فقط فيما يتعلق بموضوع الادعاءات الكونية مثل من أين جاءت الحياة؟ كيف تشكلت الكرة الأرضية الخ.

طبعاً الشخص المتدين لا يقر بهذا الاختلاف ويقول إن المنهج العلمي يثبت الرواية الدينية. لن أدخل في تفاصيل الادعاءات هذه ودحضها لأنها ليست مهمة بالنسبة للمحور الاساسي لهذه السطور. الفكرة أنه على فرض وجدت اسباب وجيه لدى البعض لرفض الرواية الدينية فهل هذا يؤدي لاستنتاج العدمية كما يقال؟

على فرض أننا استخدمنا المنهج العلمي في البحث ووصلنا لنتائج دامغة تقول إنه لا يوجد ألهه شخصية ولا يوجد جنة ونار ولا يوجد أديان (فرضاً). فهل هذا يعني أن حياتنا أصبحت دون غاية؟ هل معرفة أن الإنسان تطور من كائنات حية أقل تعقيداً وأن كوكب الأرض ليس له أي مكانة خاصة في هذا الكون سيجعل من وجودنا البشري دون غاية وعدمي؟

لنعاين الطرح الديني بشكل أدق. على فرض أننا انتقلنا إلى الجنة اليوم.

  • ماذا بعد؟ نعيش إلى الابد؟
  • ماهي الغاية من العيش إلى الأبد؟
  • كيف أصبحت حياتنا بعدما نجحنا في الامتحان الأرضي؟

ألم تصبح حياتنا في الجنة دون أي غاية أو هدف؟ أليست العدمية هي الحياة في الجنة؟ لا داعي للبحث ولا داعي للعمل ولا داعي لأي شيء.

الفكرة أن عدم معرفتنا لأسباب وجودنا هنا على هذا الكوكب لا تقلل من قيمة هذا الوجود بل على العكس تجعل لدينا دافع أن نبحث وأن نعرف أكثر. لماذا نحن هنا؟ حياة الإنسان لا تأخذ قيمتها بسبب بعض الروايات الدينية. حياتنا ملكنا ونحن من يطفِ عليها قيمتها ونحن من نجعل لها الغاية. أنا لا اشعر بالخوف من المجهول ولا أخجل من أن أقول لا أعرف من أين جاءت الحياة ولماذا هي كذلك وإلى أين هي متجهة ولكني أيضاً أعرف أنك أنت ايضاً لا تعرف الجواب.

بالنسبة لموضوع الأخلاق. قد يعتقد البعض أن التخلي عن قصة أدم وحواء وطوفان نوح وعدم تصديق قصة يونس الذي عاش في بطن الحوت وعدم الاقتناع أن محمد طار على ظهر دابة فضائي إلى الفضاء وأن ابن الله سار على الماء وأنه كان يحوله إلى نبيذ أو أن موسى شق البحر الأحمر وكان يحول العصي إلى أفاعي في أوقات فراغه هي مجرد دعوة للتخلي عن الأخلاق.

البعض يعتقد أن تبني هذه القصص هو ما يحول دون قتل البشر لبعضهم البعض وعدم ممارسة الجنس بين الأم وأبنائها. البعض يعتقد أن الجنة هي المحفز الذي يشجع البشر لممارسة الأعمال الأخلاقية (في هذا الزمان) وأن الخوف من عقوبة الحرق في نار جهنم هو ما يمنع الاشرار من ارتكاب شرورهم.

الأخلاق ليست سوى عقود اجتماعية تعمل على وضع اسس أخلاقية تضمن ترابط المجتمعات البشرية لهذا نجد أن ما هو مقبول اليوم كان مرفوض البارحة وما سيكون مقبول مستقبلاً هو مرفوض اليوم. في هذا السياق أود أن اقول إن النظم الأخلاقية الدينية المبنية على مبدأ المكافئة والعقاب هي نظم أخلاقية خطرة جداً لان أفرادها قد يرتكبون أقذر الأعمال طمعاً بالمكافئة ظناً منهم أنهم يقومون بأعمال جيدة. الإنسان الذي يقوم بأعمال جيدة فقط طمعاً بالجنة ممكن أن يرتكب أقذر الأعمال ايضاً طمعاً بالجنة.

للمزيد عن موضوع الأخلاق أدعوك أن تقرأ مقال سابق عن النظم الأخلاقية ورحلة تطورها

https://myscience.space/articles/sociology/evolution-of-moral-systems/

أنا في هذا المقال لم أعمل على دحض الادعاء الديني وإنما اعتبرته كأحد الفرضيات الموجودة لكني رفضت اعتبار دحض الأديان يجعل من الحياة دون ذو قيمة. عدم قبول فكرة ان الوجود خُلق من أجل نوع من أنواع الثدييات على كوكب ضمن مجرة من بين مليارات المجرات فقط لكي يعيش هؤلاء الثدييات ضمن بساتين مليئة بالفواكه والأنهار يتناكحون طوال الوقت لا يقلل من قيمة الحياة ولا يجعل من وجودنا غير مبرر. على العكس هذه هي الخطوات الأولى في فهم محيطنا وواقعنا وتحمل مسؤولية وجودنا ضمن هذا الكون الواسع جداً جداً. لابد أن يكون لمعرفة الحقيقة قيمةً ما عند البشر.

مصطفى عابدين

مؤسس ومدير محتوى موقع علومي. باحث مهتم بالعلوم، أسعى من خلال هذا الموقع إلى المساهمة في إثراء المحتوى العلميّ العربيّ على الإنترنت بمقالات أصليّة مبسّطة، تزوّد القارئ غير المختصّ بالأساس العلميّ الذي يحتاجه لمتابعة آخر المستجدّات والأخبار العلميّة، بعيداً عن الترجمة التي في بعض الأحيان تُفقِد المحتوى العلميّ مضمونه.

3 تعليقات

انقر هنا لتضع تعليق

تعليق

  • إذن يمكن التأكيد علي ان الحياة ليس لها أهداف في الاصل.. ذلك لأن العدم هو الاساس والحياة حدث استثنائي بكوننا.. وفي النهاية الكائن المدعو انسان هو فقط من يحدد لنفسه غاية وأهداف وهو أيضا استثناء لما يميزه من قدرة علي التفكير والتحليل واتخاذ القرارات.. وذلك ما تفعله كل الاحياء ايضا بطريقة آلية تحت مسمى غرائز.
    لكن ما حيرني دائما هو لغز الحياة نفسها.. الوعي والادراك ومصدرهم.. فى الواقع لا أجد حتى الآن تفسير علمي مقنع يوضح متى وكيف وأين بدأ الادراك والوعي.

    مشكور لمجهودك ودائما ننتظر الجديد.