فيزياء ذرية مقالات علمية

هل الزمن بُعد من المكان أم أنه سهم باتجاه واحد؟

في الحقيقة، هو الحالتان معًا. وفهم كلا الحالتين قد يوضح لنا فكرة وهم الزمن من منظور: ماضٍ، حاضر، ومستقبل.

مفهومنا البشري للزمن مرتبط ارتباطًا وثيقًا بزيادة الإنتروبيا. هذا السهم المنطلق باتجاه واحد هو نتيجة ارتفاع الإنتروبيا في الكون، ونحن نشعر به على شكل “الزمن” أو “الوقت”. الإنتروبيا هي حركة خفية للغاية تعمل في الخلفية، وتسعى لتحقيق هدف واحد: الانتقال من الانتظام إلى الفوضى، أو بعبارة أخرى، الوصول إلى أدنى مستوى ممكن من الطاقة.

الحرارة تنتقل من الساخن إلى البارد، والجسم المرتفع يسقط نحو المركز. هذه هي الإنتروبيا: القانون الأساسي، والعمود الفقري لكل فيزياء الكون — الانتقال إلى أقل حالة طاقة ممكنة.

وبالتالي، نحن نشعر بحركة الإنتروبيا على أنها سهم زمني يدفعنا نحو المستقبل بشكل حتمي. المستقبل هو ببساطة اتجاه حركة الإنتروبيا نحو الحد الأدنى من الطاقة. ونحن، كبشر، نحاول مقاومة هذه الحركة من خلال استقلاب الطاقة (الطعام) بهدف إبطاء انحدار أجسادنا نحو الفوضى والموت. لكننا سنموت. فالمستقبل دائمًا يتجه نحو موت الأشياء.

أما الزمن من منظور فيزيائي كـ”بُعد”، فليس سهمًا باتجاه واحد، بل هو جزء لا يتجزأ من المكان.

تخيل معي أنك ستخلق كونًا صغيرًا داخل صندوق (كون موازٍ). لكي تخلق هذا الكون، يجب أن تخلق المكان أولاً. لكن لا يمكنك التحرك داخل هذا المكان دون وجود الزمن. فالحركة بين نقطتين تتطلب وجود “فاصل زمني”. الزمن، إذن، هو ما يملأ أبعاد المكان. وإذا أفرغته من الصندوق، ينكمش المكان على نفسه. ولا يمكنك ملء الزمن دون وجود أبعاد مكانية.

كل نقطة داخل هذا الصندوق تمثل ما نسميه في الفيزياء “حدثًا”. والحدث هو فعل يتطلب مكانًا لوقوعه وزمانًا لتحديد متى وقع. غياب أحد هذين البُعدين يعني غياب الحدث.

كل نقطة في هذا الكون الصندوقي تمثل حدثًا، وكل حدث يمثل لحظة زمنية يشعر بها من هو داخلها على أنها “الآن”. انتقال الإنتروبيا من الانتظام إلى الفوضى يحدث دائمًا في “الآن”. وهذا يعني أن “الآن” تنتقل من حدث إلى آخر، في تناغم مع سهم الإنتروبيا، أو ما نُسميه نحن “الزمن”.

“الآن” تمثل نقطة داخل الصندوق، وكما ذكرت، الزمن هو ما يملأ هذا الصندوق ويمنحه حجمه. و”الآن” بالنسبة لك ليست نفسها بالنسبة لي، لأننا لا نستطيع احتلال نفس النقطة داخل الصندوق. ولهذا، لا يوجد “الآن” مطلق، ولا يوجد ماضٍ أو مستقبل بمعنى مطلق. يوجد فقط مكانك وزمانك في هذا الكون الصندوقي. سهم الزمن، أي الاتجاه نحو أقل مستوى طاقة، هو ما يبدو لك أنه “الآن”.

تخيل الآن أنك تتجه نحو ثقب أسود، وعبرت “أفق الحدث” — وهي نقطة اللاعودة. لماذا لا يمكنك العودة؟ لأنك دخلت إلى مكان أصبح فيه الزمن هو المتغير الذي يمكنك التحرك فيه، والمكان أصبح الشيء المجهول الذي تتجه نحوه.

ماذا يعني هذا؟ يعني أنك، تمامًا كما تشعر أن “الغد” قادم لا محالة، ويمكنك التحرك في المكان من نقطة إلى أخرى، فإن المكان — بعد عبور أفق الحدث — يتحرك بك نحو مركز الثقب الأسود لا محالة. بينما الزمن، بالنسبة لك، يصبح بعدًا يمكنك التنقل فيه. ستشعر أن الزمن “يتباطأ”.

أنت لا “تقطع” الزمن، بل تتحرك داخل المسافة، بانسجام تام مع سهم الإنتروبيا. الصندوق أصبح فارغًا من الزمن، وبالتالي انكمش على نفسه، وأصبح الوصول إلى مركز الثقب هو النتيجة الحتمية الوحيدة. الزمن هناك متوقف.

هذه النظرة تقودنا إلى مفهوم “الكون الكتلي” (Block Universe) — حيث كل الأحداث، ماضية أو مستقبلية، موجودة دائمًا، لكن وعينا يمر عبرها تباعًا، نتيجة لسهم الزمن الإنتروبي.

تعليق واحد

انقر هنا لتضع تعليق

تعليق

  • اذا الزمن يمشي على مبدأ الانتروبيا ف مفروض الزمن كامل يتوقف عندما يصل لوضع الراحه الخاص به
    لكن المكان مثل البعد الثالث الخام يعتبر بُعد ماله وضع راحه
    هو فقط يتأثر ب المؤثرات المختلفه
    بس لو ما حدث تأثير ما تغير ما له وضع راحه معين
    لكن الزمن نسبي يختلف من شخص الى اخر بالاضافه الى كونه عباره عن بُعد
    ماله وضع محدد ف انا لو كنت موجوده في البعد الرابع (البعد الزمني ) ف بقدر اشوف كل كائن ب ماضيه وحاضره ومستقبله ما احتاج زمن لأني معه في نفس المستوى