فلسفة علمية

تاريخ الشعوذة من الناحية العلمية

تاريخ الشعوذة من الناحية العلمية يبدأ من تطور الخيمياء أو الكيمياء عبر التاريخ. هذا التطور مثير جدًا للاهتمام، إذ إنه جسد قدرة الإنسان على التفاعل مع العناصر الطبيعية والتأثير عليها دون معرفة ماهية هذه العناصر (قبل اكتشاف الذرة).

هذه المهنة تعتمد في صلبها على تحفيز ذرات المواد من خلال خلطها مع بعضها البعض وتعريضها لدرجات حرارة معينة تحفّز التفاعل.

يجب التنبه إلى أن مهنة الكيميائي كانت مهنة مثلها مثل أي مهنة أخرى تتضمن أسرار عمل وآليات معينة لا يتم نشرها للعامة، وذلك لإبقاء الحافز الاقتصادي ضمن دائرة أصحاب هذه المهنة. أهم عنصرين في وضع الخلطات الكيميائية هما المقادير والمدة الزمنية اللازمة لحدوث التفاعلات المرادة.

كذلك كان يتم استبدال المقادير بمسميات غريبة أو رموز، مثل “دمع العذراء” أو “غبار الطاووس”، ويتم تحديد المدد الزمنية اللازمة للتفاعل بوضع تراتيل تكون مدة إلقائها تتطابق مع المدة المراد انتظارها. هدف هذا التمويه هو إبقاء معلومة مهنة الكيميائي بين الكيميائيين.

تناقل هذه المعارف لم يكن مبنيًا على فهم واضح للعمل الذري وعلاقات الترابط الكيميائية، وإنما كان على شكل تعليمات ومقادير معينة يقوم بها الكيميائي فتنتج لديه النتيجة المرجوة.

هذا التوارث للمعلومات يتضمن نقطة هامة، وهي عامل الوقت اللازم لاكتمال الخلطة. مثلًا، لكي تنتج المسحوق المطلوب عليك وضع مقدار س مع مقدار ع ثم تنتظر 30 ثانية. مع الوقت، تطورت فقرة العامل الزمني في تفاعل الذرات واستُبدل الانتظار إلى 30 ثانية بترديد بعض الأبيات الشعرية التي يستغرق إلقاؤها نفس المدة (30 ثانية).

مثلًا: ضع مقدار س من المادة مع مقدار ع من المادة ثم قل:

أعطني الناي وغنِّ فالغنا سرُّ الوجود
وأنين الناي يبقى بعد أن يفنى الوجود

بعد ترديد هذه التراتيل 10 مرات، أضف المادة ج.

الهدف من ترديد هذه الأبيات هو الانتظار لمدة 30 ثانية قبل إضافة المادة ج. لكن بسبب توارث مهنة الكيميائي بين الأجيال، وبهدف إخفاء سر المهنة، تم استبدال المدد الزمنية ببعض التراتيل هنا وهناك.

حتى الكيميائيين الذين يتوارثون المعرفة الكيميائية قد لا يعلمون أن التراتيل التي يلقونها على الخلطة الكيميائية ليس لها أي تأثير، وأنها مجرد عداد زمني هدفه ضمان حدوث التفاعلات ضمن المدة الزمنية اللازمة.

من هنا بدأ تطور ما يسمى بالشعوذة والسحر، إذ إن العامة كانوا يعتقدون أن التفاعلات الكيميائية الحاصلة سببها التراتيل التي يذكرها الكيميائي وليس المدة الزمنية اللازمة لحصول التفاعلات الكيميائية.


مراجع:

Holmyard, E. J. (1957). Alchemy. Dover Publications.
يقدم هذا الكتاب نظرة شاملة لتاريخ الخيمياء وتطورها.

 

Principe, L. M. (2013). The Secrets of Alchemy. University of Chicago Press.
يناقش الكاتب الجوانب التاريخية والعلمية للخيمياء وارتباطها بالتقاليد السحرية.

 

Newman, W. R. (2004). Promethean Ambitions: Alchemy and the Quest to Perfect Nature. University of Chicago Press.
يركز على العلاقة بين الخيمياء والعلم والفكر السحري في العصور الوسطى.

 

Stillman, J. M. (1960). The Story of Alchemy and Early Chemistry. Dover Publications.
يناقش تأثير الخيمياء في تطوير الكيمياء الحديثة.

 

Debus, A. G. (2002). The Chemical Philosophy: Paracelsian Science and Medicine in the Sixteenth and Seventeenth Centuries. Courier Corporation.
يقدم نظرة على الفكر الخيميائي وتأثيره على العلوم الطبية والكيميائية.

 

6 تعليق

انقر هنا لتضع تعليق

تعليق

  • اشكرك جدا جدا على مقالاتك الرائعة انا عمري ١٩ سنة واقضي الكثير من الوقت اقرأ هذه المقالات الرائعة والمفيدة وخصوصا في فيزياء الكم والفضاء والجاذبيه واتمنى لك كل النجاح

  • مقال كالعادة مبهر و واضح! أتمنى منك أن تسهب أكثر في هذا الموضوع. هل لديك مواد علمية في اليوتيوب؟؟

    • كثير من المؤمنين يجادلون أن الرواية الدينية ثابتة في حين الرواية العلمية متغيرة، الرواية الدينية صدرت من شخص معتمد واحد في حين الرواية العلمية تصدر من عدة أمزجة و توجهات… كيف نجيب على هذه الثنائيات و المقارنات التي يرفعها المؤمنون؟!